|
SubscriptionsSites I Read
|
|
|
|
| عمليق ملك طسم
زعم كتاب السير والتأريخ العرب أن سام بن نوح قد ترك من الأبناء سبعة أحدهم أطلقوا عليه اسم إرم , ثم زعموا لنا أن إرم قد ترك أيضاً من الأبناء سبعة ( ولا أدري لماذا لا يتركون خمسة مثلاً بل جميعهم تركوا من الأولاد سبعة ) أحد هؤلاء السبعة أبناء إرم هو طسم ثم اختلفوا في من سموه عمليق هل ابن طسم أم ابن عاد , ولا يهمنا من اختلافهم شيئاً , فحديثنا هنا يدور حول هذا العمليق , والذي كان كما زعموا عربياً, حيث كان يسكن هو وقومه من ابناء طسم ومعهم ابناء عمومتهم من أبناء جديس البحرين وعمان واليمامة .
كان هذا العمليق هو زعيم أو ملك من سكن تلك الأراضي وكما زعم أصحاب السير أنهم كانوا من العرب العاربة .
تسلط هذا العمليق على قومه وبغى وتجبر حتى ذكروا لنا بكتب السير أن عتوه بلغ أن أمر قومه ألا تزف فتاة بكر من فتيات جديس إلى زوجها إلا وبدأوه بها أولاً , ويقول الدينوري في كتابه الأخبار الطوال - فمكثوا بذلك دهراً طويلاً .
وهنا نسأل أنفسنا أين الشيم العربية التي يتحدثون عنها , لقد مكثوا دهراً طويلاً ولم يتحرك أحد منهم أو ينفعل أو يثر لشرفه وكرامته المهدرة , فالرجل لا يترك امرأة إلا وأخذها لفراشه , والقوم يقبلون ولا يعترضون , هل هذه من السمات العربية أيضاً التي ملأوا بها بطون الكتب عن حمية العربي ودفاعه عن عرضه وشرفه وموته في سبيل شرفه ؟
وينقل لنا الدينوري قصة لطيفة يبين فيها سبب ثورة جديس على هذا العمليق , يقول : ( وأن رجلاً من جديس تزوج عفيرة بنت غفار أخت الأسود بن غفار عظيم جديس وسيدها , فلما أرادوا إهداءها أدخلت على الملك , فافترعها , ثم خلى سبيلها , فخرجت إلى قومها في دمائها رافعة ثوبها عن عورتها , وهي تقول :
أَيَصلُحُ ما يُؤتى إِلى فَتَياتِكُم وَأَنتُم رِجالٌ ثَورَةٌ عَدَدَ النَملِ فَلَو أَنَّنا كُنّا رِجالاً وَكُنتُمُ نِساءً لَكُنّا لا نَقَرُّ عَلى الذُلِّ فَبُعداً لِبَعلٍ لَيسَ فيهِ حَمِيَّةٌ وَيَختالُ يَمشي مِشيَةَ الرَجُلِ الفَحلِ
فحميت من ذلك جديس، فاغتالوا عمليقاً، فقتلوه على غرة، وإمامهم الأسود بن غفار يرتجز، ويقول:
يا لَيلَةً ما لَيلَةُ العَروسِ جاءَت تَمَشّى بِدَمٍ جَميسِ يا طَسمُ ما لاقَيتِ مِن جَديسِ إِحدى لَياليكِ فَهَيسِ هَيسِ
فأَبادوا طسماً، فلم يفلت منهم إلا رجل يقال له، رياح بن مرة
أين كانت جديس طوال هذا الزمن الطويل من اغتصاب فتياتهم ؟
ولماذا لم يتمعر خدهم لهذا الأمر ؟ ولماذا قبلوا وخنعوا ولم تتحرك لهم حمية ؟ ولماذا ثاروا حينما ثار رئيسهم أو ملكهم ؟ وهذا ما نردده دائما في تلك المقالات أنهم كانوا ومازالوا عبيداً للحاكم , ما يقره الحاكم يقرونه , وما يستنكره يستنكرونه . ثم عن هذا الحاكم الخسيس الذي لم يهتم بأمر قومه طوال هذا الزمن وتركهم فريسة لهذا العمليق , ولم يتحرك إلا حينما مس الأمر أهله . هل هذا هو الشرف العربي الذي صدعوا رؤسنا بالحديث عنه
وإلى لقاء بحكاية عربية أخرى
| | |
| يعمر بن عوف الحكم بين قصي وخزاعة
المنافق يدور مع القوي , ويلتصق بمن بيده القوة , ويحابي ويحكم للقوي , فمن له الغلبة فهو السيد , وهو الآمر المطاع , وغيره هو الذليل .
رأينا بالقصة السابقة كيف كاد قصي ودبر الإستيلاء على ما بيد خزاعة من أمور ومقاليد البيت ومكة , فقاتل قصي خزاعة , وهبت خزاعة للدفاع عما بيدها من أمور مكة وولايتها , دار بينهما قتال شديد , وكثر القتلى والجرحى بالفريقين ولكن تقول الروايات ( إلا أنه في خزاعة أكثر) أي أن بوادر نصر قصي ومن معه لاحت بالأفق , وأيضاً بوادر هزيمة خزاعة , وتداعى الفريقين للصلح , واتفقوا على أن يحّكموا بينهم رجلاً من العرب , واختاروا لهذه المهمة من قال عنه كتاب السير ( رجلاً شريفاً) ألا وهو يعمر بن عوف ولما كانت - بوادر النصر ظاهرة في صفوف قصي , وبوادر الهزيمة أيضاً ظاهرة في صفوف خزاعة - كان هذا حكم يعمر الرجل الشريف كالاتي :
كل دم أصابته قريش ( أي قصي ومن معه) من خزاعة موضوع ( أي ليس لهم الحق في طلب دية عن أي قتيل لهم ).
ما أصابته خزاعة من قريش فيه الدية .
قصي أولى بمكة .
يخلى بين قصي وبين الكعبة ومكة .
وعلى الرغم من أن قصي هو البادئ بالقتال , وهو المستلب لما كان بيد خزاعة من أمور حكم مكة , وقتل على يديه ومن معه عدد كبير من خزاعة إلا أن حكم الرجل الشريف الذي اختاروه ليحكم بينهم بالعدل لم يكن به أي عدل ولا شرف , قلت سابقاً أن حكم المنافق يدور مع القوي , ولا يهم الحق مع من , فولاء المنافق وعبوديته هي للقوي فقط , فالقصائد تدبج وتصاغ في مدح القوي , والحق مع القوي أينما ذهب , فهل تصدق ما زعموه عن حرمة البيت وحرمة مكة والتعظيم والتبجيل الذي تكنه العرب للبيت ومكة ؟ ثم هل تصدق قصص العدل والنخوة وإنصاف المظلوم والدفاع عن الحق وعدم الجور التي ملأ كتاب التاريخ كتبهم بها ؟ . يقول كتاب السير ( فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ , لما شدخ من الدماء ووضع منها ) وأي شدخ هذا الذي شدخه يعمر ؟ وأي وضع للدماء هذا الذي وضعه يعمر ؟ حكم بالدية للمعتدي الباغي , ولا دية للمعتدى عليه , وسحب مقاليد أمور مكة ممن يتولاها , وأعطاها لغريب إدعى نسباً .
وعن كلمة الشداخ فإن الشدخ في اللغة تعني الكسر والفضخ وهو بالفعل شداخ فلقد كسر بحكمه شوكة خزاعة وأضاع دماء قتلاها هدراً وأذلهم لصالح قصي ومن معه .
وإلى لقاء بحكاية عربية أخرى
| | |
| قصي وخزاعة
تولت خزاعة أمر مكة والبيت , ولم يعد هناك من ينافسهم في هذا الملك , وظلت القوافل والزوار تفد إلى مكة على مدار العام , ويتبع هذا ازدياد ثروة خزاعة , وفي إحدى تلك القوافل جاء ربيعة بن حرام من الشام , وأراد أن يجد زوجة من مكة فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل وحملها معه إلى الشام وكانت من قبله تحت كلاب بن مرة , صحبت فاطمة معها ولدها الفطيم من كلاب بن مرة -قصي بن كلاب نشأ قصي بالشام لا يعرف له أباً سوى ربيعة بن حرام , وحملت فاطمة بولد آخر من ربيعة ولما وضعته سمته رزاح , ولما شب قصي حدث خلاف بينه وبين أبيه بالتبني ربيعة , فصارحه ربيعة أنه ليس بإبنه ولكنه ربيبه , وكعادة كتاب السير في تبرير الأمور ذكروا لنا أن ربيعة عير قصي بغربته وأن ليس له قوم , ونقلوا لنا أنه قال له ( ألا تلحق بقومك وببلادك فإنك لست منا ) , وفي نهاية القصة قد تستنتج كما استنتجت أنا لماذا قال ربيعة ما قال بعد أن ربي قصي طيلة هذه السنين واتخذه ولداً , فما قام به قصي في مكة بعد ذلك , أظن أنه حاول فعله بالشام من قبل فأخرجوه من بينهم . نعود للقصة , اشتكى قصي لأمه فاطمة بنت سعد ما قيل له , فلم ترع احتراما لزوج أظلها سنين ولها منه ولد بل أوغرت صدر إبنها بكلماتها حيث قالت لقصي : بلادك خير من بلادهم , وقومك خير من قومهم , وأنت أكرم أباً منهم , أنت ابن كلاب بن مرة , وقومك بمكة عند البيت الحرام .
حمل قصي عصاه ورحل مع الحجاج من الشام حتى وصل مكة , فاستقر بها وبدأ في الإختلاط بأهلها , ثم بدأ في إظهار نسبه وابن من هو , فما كان من أهل مكة إلا أن قبلوه بينهم ورحبوا به وكما يقول كتاب السير ( فعرفوا له فضله وشرفه , فأكرموه وقدموه عليهم فساد فيهم ) هكذا قالوا , ولكن سيادة قصي تلك لم تكن عن طريق إجلال أهل مكة له لفضله وشرفه بل عن طريق آخر ستعرفه في سياق القصة .
كما عرفت من القصص السابقة أن أمر مكة كان بيد خزاعة حيث استأثرت به , تقرب قصي ممن بيده الأمر بمكة - وكان بهذا الوقت حليل الخزاعي رأس مكة وزعيمها وواليها حيث كانت بيده كل مقاليد أمور مكة -, خطب قصي إبنة حليل (حُبى بنت حليل الخزاعي) وكانت هذه أولى خطوات الوصول إلى هدفه , أنجبت حبى لقصي الكثير من الأبناء فقويت شوكته وصار ذا عصبة وهنا أتته الفرصة التي ينتظرها .
رأى قصي أنه أولى بأمر مكة من خزاعة الذين آووه وكفلوه حين قدم من الشام وزوجوه من ابنتهم ( ودائماً ما يكن سبب القتال بينهم أن كل فريق يرى أنه أولى بالأمر ) , فما كان رد الجميل من قصي لمن آووه وزوجوه ابنتهم؟ بدأ قصي في التخطيط للإستيلاء على مقاليد أمور مكة , وكان أول القصيد كما يقولون كفر , فأرسل لأخيه من أمه رزاح بن حرام يطلب منه العون على خزاعة , جاء حرام بمن تبعه من أهل الشام , وكان هذا بموسم الحج .
وكان أمر إجازة الحج من عرفة بيد قبيلة يقال لها ( صوفة ) وهم من نسل الغوث بن مر بن مضر , فكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة وتجيز بهم إذا نفروا من منى ثم تبدأ صوفة في رمي الجمار فيرمي الناس , ولا يجوز لأحد أن يرمي حتى ترمي صوفة . فماذا فعل قصي بصوفة وبموسم الحج وبالأشهر الحرم التي يزعمون أن العرب كانت تعظمها وتحرمها ؟
فعلت صوفة كما كانت تفعل بكل عام بموسم الحج , ولكنهم فوجئوا بقصي ومن معه من أتباع وأعوان ومناصرين متقلدين السلاح شاهرين السيوف , وقال قصي : (نحن أولى منكم بهذا) . ونشب القتال بينهما في موسم الحج , في الأرض الحرام , في بيت الله , في مكة , وإنهزمت صوفة . واستولى قصي على ما كان بيدهم من أمور الحج . تلك كانت البداية , ولم تقف آمال قصي وتطلعاته عند حد بل كان له هم أكبر , وطلب أعظم من مجرد الدفع بالناس في الحج , كان قصي يتطلع لكل مقاليد وأمور مكة , وأن يكن هو حاكمها الأوحد , ولم يكن شئ ليمنعه من تحقيق حلمه حتى وإن كانت أشهراً حراماً , أو أرضاً حراماً , أو قتلاً ببيت الله .
حتى هذه اللحظة لم تبدر أي بادرة قتال أو مناوشة من خزاعة لقصي ولكنهم علموا كما يقول ابن هشام في سيرته ( وعرفوا – أي خزاعة – أنه سيمنعهم كما منع صوفة , وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة , فلما انحازوا عنه بادأهم , وأجمع لحربهم) هذا نص ابن هشام يبين أن خزاعة لم ترد حرباً , ولم تبدأ , بل قصي هو من أشعل فتيل الحرب بمكة .
التقى الفريقان واشتدت الحرب بينهما , وكثر القتلى والجرحى في الفريقين فتداعوا للصلح , واجابت خزاعة إلى داعي الصلح حقناً لدماء الفريقين , وحكموا بينهم يعمر بن عوف ( ولهذا الحَكَم والصلح قصة أخرى سنذكرها فيما بعد ) وكانت نتيجة الصلح هي تولي قصي كل مقاليد مكة . ولكنه لم يكتفي بهذا بل أصر على اخراج خزاعة عن مكة وعدم السماح لهم بالبقاء بها رداً لجميلهم الذي قدموه له ( آووه وكفلوه وزوجوه ) . وبعبارة ابن هشام في سيرته ( حاز قصي شرف مكة كله , فكان بيده السقاية , والرفادة , والحجابة , والندوة , واللواء , والقيادة ) واستقرت أمور مكة بيد قصي وأبنائه حيث حازوا كل الشرف والمكانة في مكة . ولكن ولده البكر عبد الدار كان خاملا لم يحقق أي منقبة ولا شرفاً , وقصي يريد هذا المجد والشرف في نسله من بعده , لذا فإنه حينما كبر وقارب الموت قال لولده حيث أنه ليس له أي منصب ولا منقبة ( أما والله يابني لألحقنك بالقوم ) أي سأحقق لك ما عجزت أنت عن تحقيقه وسأجعلك ذا شرف مثلهم ( وإن كانوا قد شرفوا عليك , لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له , ولا يعقد لقريش لواء حربها إلا أنت بيدك , ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك , ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا في دارك , فأعطاه دار الندوة , التي لا تقضي قريش أمراً من أمورها إلا فيها , وأعطاه الحجابة والسقاية والرفادة ) تلك هي قصة قصي وكيف استولى على مكة ثم ورثها لأولاده , وكيف كانت العرب تحفظ الجميل وترده .وكيف كانوا يحتالون لتوريث أبنائهم.
هل تجد فرقاً بين عرب اليوم وعرب الأمس
وإلى لقاء بحكاية عربية أخرى
| | |
| جرهم وخزاعة تاريخ العرب كان قتالاً في قتال , وبغياً في بغي , ونهباً يعقبه نهب , واغتصاباً يعقبه اغتصاب , ولكتاب السير والتاريخ تعليلات لكل موقف , ومبررات لكل قتال , وأسباب لكل اغتصاب , تجعل من القاتل بطلاً ومن المقتول مجرماً , ومن السارق شريفاً ومن المسروق منه مخادعاً ظالماً , ومن الظالم حكماً عدلاً , ومن المظلوم مجرماً معتدياً . دائماً نقرأ لهم مبررات للقوي , وأسباب لما قام به , فلقد كانت العرب تجعل من المنتصر إله لا يخطئ , ولأفعاله مبررات جاهزة دائماً , كانوا هكذا وما زالوا .
ولندخل في القصة بدون إطالة : لما تولت جرهم أمر البيت بعد انهزام قطوراء , واستفردت بالأمر , وصارت الأموال تجبى إليهم وحدهم لا يشاركهم بها أحداً , وصار حكم مكة لهم , استقرت الأمور على هذا الأمر , ولكن لا شئ يدوم , فلقد فكرت خزاعة وهي قبيلة أخرى , لماذا تستفرد جرهم بكل هذا المال , ولماذا تستأثر بالحكم , ولماذا لا يكن الحكم لهم , والأموال من نصيبهم ؟ قررت خزاعة قتال جرهم والاستيلاء على حكم مكة , وكعادة العرب يتحالف بعضهم ضد بعض اليوم ثم يتحالفون ضد الآخر غداً , اجتمعت خزاعة مع بني بكر بن عبد مناة بن كنانة , واتفقوا وأجمعوا أمرهم على التعاون لقتال جرهم والإستيلاء على ما بيدها من المال والسلطة وتعاهدوا على ذلك .
وإن كنت ممن يقرأون بكتب السير والتاريخ فلن تجد ذماً لأي منتصر , بل كل الذم ملقى على المنهزم , وهذا ما نجده بالكتب تعليقاً على قصتنا هذه , فهم يقولون – وكانت جرهم قد بغت وظلمت بمكة – وتناسوا أنهم ساقوا نفس السبب حينما كانت جرهم منتصرة وقطوراء هي المهزومة.
قامت الحرب وقتل من قتل وجرح من جرح , وكانت دفة النصر بجانب خزاعة , ودبج الكتاب كل محاسن الصفات في خزاعة وكل المثالب والمعايب في جرهم , والحقيقة أن خزاعة ليست أفضل من جرهم , كما أن جرهم لم تكن أفضل من قطوراء سابقاً , بل كلهم قتلة , خونة , طماعين , غشاشين , يغدر بعضهم ببعض ولا أمان لهم .
ولكي أبين لك ما أعنيه أن كتاب السير لهم مبررات جاهزة , فقط تنتظر المنتصر لتخلع عليه من الصفات الكثير , ولتلقي بنفس الوقت على المنهزم كل العيوب , يقول ابن هشام عن جرهم ( وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها ) ولكي يثبت لنا أنهم آكلي مال الكعبة قال ( فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنهما في زمزم وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن) ونسي ابن هشام أنه وصفهم ( بآكلي مال الكعبة) فهل من يأكل مال الكعبة يدفنه بالكعبة أم يحمله ويرحل . كما قلت لك مبرراتهم جاهزة للعرض دائماً عند تبين من هو المنتصر .وبعد الحرب والنصر قررت خزاعة نفي جرهم عن مكة فرحلت جرهم إلى اليمن .
لم يقتصر أمر خزاعة على الإنتصار وتولي أمر الحكم بمكة والحصول على كل الأموال , بل استداروا إلى حليفهم بالحرب ومساندهم ومن تعاهدوا معه على طرد جرهم ألا وهم بني بكر , فلم تسند خزاعة لبني بكر أي أمر ولم يحصلوا على أي أموال واستفردت خزاعة بالأمر واستقلت بالسلطة .
ما فعلته خزاعة هنا ليس بغريب على العرب فهم يتناسوا من عاونهم وأيدهم وساندهم حينما يتمكنون , وقد ينقلبوا عليه فيكن أول ضحاياهم بعد تمكنهم .
وإلى لقاء بحكاية أخرى
| | |
| قصة جرهم وقطوراء أو مضاض والسميدع جرهم وقطوراء قبيلتين أبناء عمومة , رحلا من اليمن , وسكنا مكة لما وجدا بها من ماء وشجر , وكان على رأس جرهم (مضاض بن عمرو) , وعلى رأس قطوراء (السميدع) . ولا يهمنا من تفاصيل قصة جرهم وقطوراء -والتي قد يمل منها القارئ - سوى موضعين : الموضع الأول : أنهما حينما نزلا مكة , نزلت جرهم بأعلى مكة , ونزلت قطوراء بأسفلها , وإلى هنا فلا غرابة بالأمر فكثير من القبائل كانت ترحل من مكان لمكان ثم يستقر بها الرحيل حتى تنسب للمكان أو ينسب المكان لها . ولكن لم تكن مكة مجرد قرية بها بعض الكلأ والمرعى بل كانت قرية على طريق تجارة كانت معروفة ورائجة , لهذا تبسمت كل من جرهم وقطوراء واستراحت كل منهم لموقعها الذي سيدر عليها دخلاً لا ينقطع , ولا تجري بك الظنون أن جرهم وقطوراء سوف يشاركون بتلك التجارة ويستفيدون من مرور القوافل عليهم بالتجارة معهم , ولكن ما لم تتوقعه هو : قامت جرهم بفرض العشور على كل من يدخل مكة من القوافل من أعلاها , وقامت قطوراء بفرض العشور على كل من يدخل مكة من القوافل من أسفلها , فلم تكتف القبيلتين بمعيشة هانئة بمكان به ماء وكلأ بل فرضوا الإتاوات. الموضع الثاني : تحكم الجشع والطمع بالقبيلتين - حيث هو صفة ثابتة بالعرب - فطمعت كل قبيلة بما تحصل عليه الأخرى من العشور , وأرادت كل واحدة منهما الإستئثار بالغنيمة . وعلى الرغم مما تقوله وتكرره كتب السير من أن العرب كانت تعظم مكة وتقدس البيت الحرام , وتعتقد بحرمة البيت الذي بناه أبوهم إبراهيم , إلا أننا نجد أفعال العرب وعلى مر العصور على خلاف هذا الإدعاء , وأفعالهم المسجلة بكتب التاريخ والسير لا تدل على تعظيم أو توقير أو احترام إلا لمصلحتهم وما يؤدي إلى حصولهم على المال أو المنصب , وأنا أرى أن كل ما ذُكر بكتب التاريخ والسير عن هذا التعظيم والتبجيل , هو ليس إلا محاولة من الكتاب لإضفاء صفات حسنة للعرب فقط لتحسين صورتهم وذكر محاسن لهم - ليس لها أصل أو وجود - حيث كانوا هم أولي الأمر , وولى الأمر منزه ويجب أن يكن خيار من خيار , أو هو شبيه الملائكة , أو هو نصف إله. لن أطيل اقتتلت القبيلتان بمكة - المحرمة المعظمة ولم يحترموا حرمتها ولم يمنعهم وجود البيت - بموضع يسمى فاضخ وهو موضع بقلب مكة وليس خارجها ويصف ابن هشام في سيرته ما حدث بقوله ( واقتتلوا قتالا شديداً) ثم مالت كفة الحرب على السميدع وقبيلته قطوراء وانهزموا فصفا الجو لمضاض وصارت العشور من نصيبه وحده لا يشاركه بها أحد , فنصب نفسه ملكاً !!!!!!!!!!!! على مكة . وبهذا تولت جرهم أمر البيت
ومن تلك القصة نعرف مدى تعظيم العرب للبيت ومدى حرمة مكة البلد الحرام عند العرب فالمال والسلطة أهم من البيت الحرام وأهم من البلد الحرام ولنا لقاء آخر لنكمل الحكايات | | |
|